الوشم عند المرأة الامازيغية الجزائرية جمال و ذاكرة… كفاح

عنوان ثانوي هنا

العدد : , ,

الذي وهبه لها الله في أجمل حلة، حاولت أن تضيف له بعض البهارات وتعطيه لمسة فنية و حسا جماليا عاليا، فأبدعت في تزينه برموز و اشكال و خطوط ، استطاعت من خلالها خلق اطارا انثوغرافيا متميزا خاصا بها، هذه الأوشام كانت تحمل دلائل ووظائف اختلفت باختلاف الأزمنة، فانتقلت من رمز للجمال والتقرب من الاله و تحديد الانتماء و كونها ذاكرة ثقافية و اجتماعية  الى رمز للكفاح سنوات الاستعمار، ليصبح في وقتنا الحالي غصة في قلبها تحاول ازالته بشتى الطرق.

الوشم في الثقافة الامازيغية بصفة عامة يمكن ادراجه ضمن نظرية التواصل الحيزي عند “ادوارد توماس هال” الذي يعتبر الرموز التي يحملها الجسد فضاءا مضمونيا يقدم دلالة ثقافية تضاف إلى رصيد الفرد ككائن ضمن الجماعة ، فجميع الرموز التي تفننت المرأة الامازيغية في رسمها تكشف عن الأليات الكامنة للعوالم الحسية التي ينتجها الجسد في تفاعله مع محيطه، فهي يعتبر سلوكيات غير لفظية تبوح بالمستور في تلك الروح، وقانونا اجتماعيا ملازما لبعض الطقوس.

يوضع الوشم في فترات محددة، في الأعراس و فترة بلوغ الفتاة ، عند الشعور وبالألم، وعند استعداد الفتاة للزواج ، هذه الفترة التي تدل على نضوج الفتاة و اكتمالها جماليا، وقدرتها على تحمل أعباء الحياة الزوجية كما تحملت ألام الوخز، لأنه يتم بواسطة أدوات حادة و إبر، أما التزيين فتعددت وسائله من كحل و دخان الشحم، و الأعشاب العطرة، الفحم الأسود و التوابل، الحرقوس والقرنفل، و لا بد من الاشارة الى ان الاوشام التي استعملت فيها هذه المواد لها دلالات، عكس تلك الاوشام التي وضعت من طرف قاتل بسكينه و التي تكون عادة لتخفيف اوجاع الموشمة، فلا احد يدرك دلالات تلك الاشكال لارتباطها بنفسية القاتل الذي يعتبر هذه العملية تكفيرعن ذنبه اما الموشمة فتعتبرها علاج لآلامها.

تقع أوشام المرأة الامازيغية في مختلف مناطق جسدها، منها الجبين، وما بين الحاجبين و الخد و الذقن و الكتف، الذراع ،الكف و الصدر و النهدين، الفخد و المعصم، الركبة و القدم ،الساقين و الرقبة، لكن توزيعها اختلف و كل عضو حمل دلالة معينة، هذه المرأة كانت ذكية جدا في توزيع الأوشام على جسدها حسب الوظائف و الدلائل فاختارت الساق-العرقوب- و اليدين لتتفنن في صياغة حدود انتمائها الثقافي للفضاء و الزمان الامازيغي، اما الجبهة والصدغ، الأنف و الخدين فرسمت عليها  بإتقان الاشكال التي تحمل دلالة تزيينية، و هذا ما نجده في الصورة النمطية للعروس الامازيغية التي يلزمها العرف الثقافي ان توشم وجهها قبل زفها ، لما تضيفه الأوشام من فتنة و سحر، فجمال الوجه انذاك كان مرتبط بسواد العين و زرقة الوشم على الوجه (la fille aux yeux noir et aux tatouages bleus) ، و عن جمال المرأة الامازيغية الموشمة رسم الرسام الدانماركي “هايكل فرينكل” لوحة من الكلمات :” أحيانا كثيرة تجدهن في الحقول و المسالك الوعرة في الجبال يرددن صيحات غنائية لا يضاهيها من الحدة و الجمال سوى مرأى تلك الاشكال المرسومة بعناية فائقة على خدودهن او ذقونهن و أحيانا أعناقهن و أيديهن، نساء تتوحد فيهن أسطورية الرمز و الرسومات المفعمة خضرة وزرقة، مع أسطورية الوجوه و مكامن جمال تصرعلى تحدي قسوة الطبيعة و صعوبة ظروف العيش و مشاق التحملات اليومية، جمال تتوحد فيه الحقيقة بالخيال، الطبيعة بالانسان، و الألوان بالملامح، الصور بالأصوات، الغناء بالرسم على الجسد”.

أما الرقبة ارتبطت بالقيمة العلاجية ، بالتحديد لعلاج  مرض السلعة goitre الذي كان منتشر في أوساط المرأة الامازيغية، و لإزالة الام العيون تقوم المرأة بوشم يغطي قوس الحاجب ،  ولم تكتفي بالعلاج فقط بل ابتكرت أوشاما تقيها من المرض ووزعتها على كل جسدها ، مثلا الوشم على الوتد و العرقوب و الكتف للوقاية من العقم، وداء الخلع بالوشم على المعصم.

كما ذكرنا سابقا لم تكن الرسوم و العلامات الموشومة على جسد المرأة الامازيغية عبثية، فمثلا علامة + لا تعتبر صليبا كما يعتقد البعض بل هي حرف تاء في الابجدية الامازيغية مستلهم من كلمة تامطوت بمعنى المرأة الناضجة، أما وشم عين الحجلة فلقد اعتبرته مارغريت كورتي كلارك -كاتبة و باحثة في الثقافات- رمزا للجمال فكتبت: ” في الثقافة البربرية، الحجل يعتبر كطائر ذو جمال و حسن كبير، ما يجعله يرتبط بصفات الزوجة الجيدة، و يعتقد ايضا ان عيناه الثاقبتين هي مراقب حذر ضد الخطر”، أما علامة السهم التي توشم على الجزء العلوي من الذراع فهي تمثل ركاب سرج الحصان الذي يحمل قصة لفرسان المنطقة ليحتفظ جسدها بذاكرة جماعية لبطولات عرش، أما باقي الأوشام كسلسلة نقاط على الجبين ورمز الشمس على الخد، و الخط المستقيم و الشارات العسكرية و الاشكال النباتية و الحيوانية و الاشكال الخماسية و المشبكات،  تلك الرسوم على المعصمين، استعملت للخصوبة و البلوغ فضلا عن دلالات دينية تبعد الحسد و الارواح الشريرة و تجلب الحظ.

اختفت كل هذه الوظائف و الدلالات إبان الاستعمار الفرنسي، الذي قضى فترة طويلة في الجزائر فاقت 130 سنة، لم يكتفي من خلالها بسلب الجزائريين أرضهم بل قام باغتصاب نسائهم ، فكان الجنود الفرنسيين يدخلون البيوت في غياب الرجال الذين التحقوا بدرب المجاهدين في الجبال ، فيخطفون الفتيات و يغتصبون النساء، بقرار من الحكومة الفرنسية التي  اعطت تعليمة موجهة للعسكريين الفرنسيين بأخذ النساء دون 15 سنة و نقلهم الى جزر نائية قرب المحيط الاطلسي ومعاشرتهن من اجل تقوية الجيش الفرنسي، فما كان على المرأة الجزائرية سوى وشم وجهها ووجه بناتها بطريقة بشعة مستعملة رموزا كثيرة تغطي كل تقاسيمه، اعتقادا منها ان الفرنسي سينفر منها حين يشاهد كل تلك البشاعة، وتمادت في ذلك لدرجة وشم نهديها، بإحداث خطوطا و دوائر لا معنى لها، ورسم اشكال مخيفة تغطي المنطقة الحساسة لترد كل من يحاول الاقتراب منها.

بعد أن كانت هذه المتزينة بالوشم تجد نفسها الإكثر جمالا، هاهي اليوم تشعر بالندم و تأنيب الضمير، وتعتقد انها ارتكبت اثما واعتدت على حدود الله بسبب نظرة البعض اليها و فتاوى تحرم الوشم مهما كانت دلالته و وظيفته، مجتمع انغلق على نفسه وحاول التجرد من ثقافته فجعل هذه المرأة تبحث عن المغفرة من خالقها و من المجتمع بشتى الطرق ، فحاولت التكفير بمحاولة ازالة الوشم بطرق حديثة رغم الألم الذي تسببه العملية، و التي تعذر عليها ذلك تبرعت بكل مجوهراتها الفضية.

 

اظهر المزيد

مقالات مختارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق