طرابلس للأفلام.. خُطى واثقة في رحلة مهرجان عنوانه الطموح

العدد : , ,

أحمد شوقي ـ ناقد سينمائي مصري

كابن للمدن الأقليمية، قضى طفولته وشبابه في مدينة كبيرة عريقة لكنها ببساطة ليست العاصمة، مما جعل
الضرورة تحتم الانتقال إلى القاهرة إذا ما رغبت دخول عالم السينما والصحافة أو حتى إذا ما وددت مشاهدة
أفلام مختلفة قبل عصر الإنترنت. كشخص يعلم جيداً قدر المركزية التي تُسيطر على صناعة الثقافة
العربية، كان من الطبيعي أن أقع في غرام مهرجان طرابلس للأفلام.
لبنان مثل مصر مثل تونس مثل كافة الدول العربية، هناك نقص عام في الأنشطة الفنية والثقافية مقارنة بعدد
السكان ونسبة الشباب منهم، لكن هذا النقص يتحول كارثة عند المقارنة بين العاصمة وباقي المدن. الغالبية
العُظمى من المهرجانات والعروض والمؤتمرات وأسابيع الأفلام والحفلات الموسيقية تحتضنها العواصم،
وتترك المدن العريقة فريسة للتطرف والجهل والعنف وكلها غيلان تجد ساحة تمرح فيها إذا ما غابت الثقافة
والفنون.
كل ما أعرفه عن طرابلس قبل دخول عالم مهرجانها كانت تصورات نمطية ساذجة، عن المدينة الشمالية
العريقة التي مزقتها الطائفية وسيطر عليها التطرف الديني. المدينة التي لا نسمع عنها سوى في نشرات
الأخبار وبالتحديد في الأخبار المأسوية عن الاقتتال والدماء. الآن صرت أعد الأيام حتى يحل الموعد
السنوى لزيارة طرابلس التي غدت في ذهني مقترنة بالسينما، بمعمار بيت الفن البديع وقاعة عروضه
السفلية ذات الطابع الفريد، بعروض خطوط التماس لسكان باب التبانة وجبل محسن، ومراقبة العيون التي
تلمع بدهشة اكتشاف السينما التي أؤمن بقدرتها على إنارة الطريق وتغيير المصائر.

ولوج الدرب الطرابلسي
بدأ كل شيء في أمسية باردة من كانون الثاني 2014، أمام صالة جون كوكتور التاريخية داخل بيت الثقافة
بمدينة كليرمون فيران في جنوب فرنسا. المدينة الصناعية الهادئة التي تنقلب في مطلع كل عام لتصير قبلة
صناع الأفلام القصيرة والمهتمين بها من كل العام. "كان الأفلام القصيرة" كما يطلقون على مهرجان
كليرمون فيران الذي تعرفت في أروقته على إلياس خلاط، مؤسس مهرجان طرابلس للأفلام وقلبه النابض.
قدمني إليه المخرج المصري عماد مبروك الذي كان مشاركاً في المسابقة الدولية بفيلم قصير مُتقن بعنوان
"وردية يناير". رصده خلاط وتعرف عليه بعدما شاهد فيلمه وقرر ضمه لبرنامج المهرجان الوليد الذي
يخطط لإطلاقة في مدينته طرابلس. لاحقاً عرفت أن هذا ما يستمتع به الرجل على مدار العام، يتنقل بين
المهرجانات السينمائية ليشاهد الأفلام بدأب وينتقي منها بعين الخبير ـ بالسينما والمدينة معاً ـ ما يصلح
للعرض على الجمهور الطرابلسي.

"مهرجان في طرابلس؟ هل هذا معقول؟ كيف سيمكنك أن تفعل ذلك؟" أسئلة كان من البديهي توجيهها
للرجل الآت بمشروع طموح يبدو للوهلة الأولى مجرد حلم بعيد. لكن الحماس والثقة في الإجابة على جميع
التساؤلات كانت أول تأكيد يصلني بأن هناك شيئاً إيجابياً تم إعداده بهدوء في الشمال اللبناني.
33 فيلماً من 15 دولة عرضها المهرجان في دورته الأولى، لتُقيّمها لجنة تحكيم طرابلسية يرأسها
السينمائي اللبناني الرائد ورئيس شرف المهرجان جورج نصر. المثال الواضح على أن طرابلس يُمكن
بسهولة أن تُنبت عباقرة فقط إذا ما أتيحت لهم الفرصة.
الدورة الأولى (24-29 نيسان 2014) كانت أشبه بالنسخة الاستكشافية لتقييم إمكانية أن يصير الحلم
حقيقة، وقياس مدى تفاعل أهالي المدينة مع فكرة وجود مهرجان سينمائي وسط ديارهم. الدورة خلت من
الأفلام الروائية الطويلة واقتصرت على أفلام من فئات أربع: التسجيلي الطويل والقصير، التحريك
والروائي القصير. مع تجربة أولى لفكرة عروض الهواء الطلق على خطوط التماس القديمة، كي تصير
أمكان إراقة الدماء مساحات للفن والحرية والأمل في المستقبل.
قيمة أسستها هذه العروض كان من المثير أن تتماهى مع الفيلم الأهم في برنامج الدورة الأولى: "ليال بلا
نوم" لإليان الراهب التي قضت أعواماً لتُنجز هذا الشريط القاسي والحنون في آن واحد. قاس لأن الماضي
العنيف يتحول فيه أشباحاً تؤرق الجلاد والضحية على حد سواء وتحرمهم من النوم، وحنون لأنه رغم كل
هذا يُثبت أن البشر قادرون على التجاوز والمرور، والبقاء على قيد الحياة والإنسانية.

خطوة ثانية في طريق طويل
بداية من الدورة الثانية (30 نيسان – 7 أيار 2015) يأخذ مهرجان طرابلس للأفلام منحىً تنظيمياً جديداً
بزيادة عدد أيام المهرجان من ستة إلى ثمانية أيام، بما يستدعي تلقائياً المزيد من الأفلام والعروض
والأنشطة المختلفة. بدأت الأفلام الروائية الطويلة تجد لها مكاناً في برنامج المهرجان يتصدرها "يلّا
عقبالكن"، فيلم المخرج إيلي خليفة صاحب النجاح الجماهيري الضخم ـ رغم مستواه المتواضع ـ والذي
اختاره المهرجان فيلماً للافتتاح بحضور المخرج والنجمات نبال عرقجي وجوليا قصّار وندى أبو فرحات،
لتشهد المدينة للمرة الأولى من أعوام عرضاً افتتاحياً وسجادة حمراء يسير عليها نجوم فيلم لبناني ليقابلوا
جمهورهم ويتحاورون معهم.
عدد الأفلام المشاركة في مهرجان طرابلس ارتفع ليبلغ 46 فيلماً مثلت 25 دولة من خمس قارات في
توزيع جغرافي مشهود جلب سينما مغايرة ومغامرة. وامتلأ برنامج الدورة ـ التي كانت الأولى التي
أحضرها على أرض الواقع ـ بأفلام مهمة ومؤثرة، أذكر منها الفيلم المصري القصير "ربيع شتوي" للمخرج
محمد كامل، الذي لمس القلوب بحكاية بسيطة عن فتاة تعاني مع وصولها سن البلوغ وصعوبة تواصلها مع
والدها الذي تعيش معه بمفردها بشأن ما تعيشة من تغيرات جسدية. الفيلم توّج في نهاية المهرجان بجائزة
أحسن فيلم روائي قصير.

ضمن مسابقة المهرجان أيضاً تعرفت على المخرج اللبناني الشاب سيريل باسيل وأعجبني فيلمه القصير
"بانج بانج" لأقوم باختياره لاحقاً للعرض في أكثر من فعالية أقوم ببرمجتها ومنها عروض سينما الصندوق
الأسود في معرض أبو ظبي للكتاب ومسابقة الأفلام المتوسطية القصيرة في مهرجان الإسكندرية السينمائي.
وهذا دور مهم وحيوي ينبغي أن يلعبه أي مهرجان سينمائي: التشبيك بين صناع الأفلام والنقاد والمبرمجين،
وفتح آفاق جديدة للموهوبين الشباب بألا يقتصر وجودهم في المهرجان على عرض أفلامهم ومناقشتها، بل
يفتح لهم أبواباً جديدة في مسيرتهم المهنية.
شهدت الدورة الثانية أيضاً استحداث برنامج "نساء ونزاعات" الذي ينظمه المهرجان بالتعاون مع جامعة
بيروت العربية، التي تشهد قاعة محاضراتها الرئيسية عروضاً على مدار اليوم لأفلام ترتبط بقضايا المرأة
والنزاعات المجتمعية، ليُحرك المهرجان نقاشاً ثرياً بين الحضور ـ وجُلّهم من الشباب الدارسين بالجامعة ـ
حول قضايا الساعة التي لا يمكن أن تغفل فعالية ثقافية عنها لاسيما في مدينة لها خصوصية طرابلس.

ثالث الخطوات: نحو الاحترافية
ببلوغه الدورة الثالثة (20-27 نيسان 2016) لم يعد من الممكن أن يُسمى مهرجان طرابلس للأفلام بالوليد
أو الصغير. فإذا كانت المقولة الشهيرة في عالم المهرجانات أن أي مهرجان يصل سن البلوغ في عامه
الثالث، فهذا بالضبط ما حدث في المهرجان الذي وضع الاحترافية نصب عينيه عند وضع الخطوط
العريضة للدورة الثالثة، والتي استفادت من إعادة افتتاح فندق فيا مينا بديع المعمار بعد تجديده، ليصير مقر
إقامة أنيق يمكنه استقبال ضيوف من أهم الأسماء في صناعة السينما العربية.
لا مناص من الانفتاح على الصناعة إذ ما أراد أي مهرجان أن يخلق تأثيراً يتجاوز عرض الأفلام
ومناقشتها، وهو ما طبقه المهرجان بإطلاق النسخة الأولى من المنتدى الذي يعمل على استقدام عدد من
محترفي صناعة الأفلام بمراحلها المختلفة، لإلقاء محاضرات قصيرة والدخول في نقاش مفتوح مع دراسي
السينما والشباب المهتمين بالأفلام في طرابلس والمدن المحيطة، بل إن الجلسات التي أقيمت على مدار
يومين شهدت حضور طلاب سينما أتوا من بيروت خصيصاً لحضور المناقشات، في صورة مثالية لتمكن
المهرجان في زمن قياسي من كسر المركزية بل وقلب آيتها، حتى صار هناك من يأتي من بيروت كي
يحضر حدثاً ثقافياً في الشمال.
ثلاث جلسات رئيسية حول مراحل صناعة الفيلم: التطوير والتمويل، ما بعد الإنتاج، التوزيع والمهرجانات،
تحدث خلالها محترفين مؤثرين من بينهم ندى دوماني (الهيئة الملكية الأردنية للأفلام)، إيلي شلهوب
(مستشار المنح في مؤسسة الدوحة للأفلام)، محمود القرق (ذا بوست أوفيس لما بعد الإنتاج)، عمر القاضي
(إم سي للتوزيع)، بالإضافة لكاتب هذه السطور.
بعيداً عن المنتدى وحضور المحترفين يبقى الحدث الأهم في الدورة الثالثة بالنسبة للجمهور الطرابلسي هو
عرض الفيلم المصري "بتوقيت القاهرة" بحضور مخرجه أمير رمسيس ونجومه سمير صبري وشريف

رمزي والتونسية درّة زرّوق، ليُفتح باباً للتعاون مع أقدم صناعة سينمائية بالمنطقة، فتفتح طرابلس ذراعيها
من جديد للسينما المصرية التي كانت قاعات المدينة قديماً تعرض العديد والعديد منها.
أما أبرز الأفلام التى عُرضت خلال الدورة ـ والتي قامت بتحكيمها لجنة دولية للمرة الأولى رأسها الفرنسي
فيليب جالادو مؤسس مهرجان سينما القارات الثلاث في نانت ـ فكان من بينها "السلام عليك يا مريم" الفيلم
القصير للمخرج الفلسطيني باسل خليل والذي ترشح عامها لجائزة أوسكار أحسن فيلم روائي قصير، عن
أسرة من المستوطنين اليهود يجد أفرادها أنفسهم في مواجهة غير متوقعة مع راهبات دير مسيحي فلسطيني.
كذلك نذكر فيلم "نون" للعراقية السويسرية عايدة شليفر، تسجيلي قصير عن معاناة المسيحيين العراقيين في
ظل الاضطرابات السياسية وتمدد الجماعات الإسلامية المتطرفة في بعض المدن، فـ "نون" هو الحرف
الذي يكتبه المتطرفون على بيوت الأهالي المسيحيين ليرشدوا بعضهم أن هذا مسكن (نصارى) من الواجب
انتهاكه وترويع أهله!
صور وذكريات وأفكار عديدة باقية من الدورة الثالثة التي وضح فيها التطور والتمدد السريعين للمهرجان،
بصورة ساهمت في خلق سمعة أفضل له بين محترفي الصناعة، فلم يعد هو المهرجان الصغير الذي نرسل
له أفلامنا ولا نفكر في حضوره، بل أمسى موعداً مهماً يستحق وضعه في الأجندة السنوية والعمل على
حضوره وخوض تجربته. الأمر الذي يمكن أن نلمسه بوضوح من نظرة واحدة على قائمة ضيوف الدورة
الرابعة والمشاركين في أنشطتها المختلفة.

الدورة الرابعة وآمال كبيرة
أكتب هذا المقال قبل أيام من انطلاق النسخة الرابعة من مهرجان طرابلس للأفلام، والذي يستعد ليقابل
جمهوره ببرنامج حافل على كافة المستويات. برنامج يحافظ على هدف المهرجان في كل دورة، وهو
المحافظة على ما سبق من مكاسب، وإضافة الجديد عليها.
أول أشكال ذلك هو تزامن ثلاث عروض رئيسية كان كل منها صالحاً أن يكون حدثاً رئيسياً في الدورات
الأولى: الفيلم اللبناني والفيلم المصري وفيلم التكريم. فهناك عرض احتفائي بفيلم ميرجان بوشعيا "فيلم كتير
كبير" أحد أفضل الأفلام الروائية اللبنانية التي صُنعت في الأعوام الأخيرة، والذي ينهي رحلته فائقة النجاح
بين المهرجانات والشاشات العالمية بعرض جماهيري أول في مدينة طرابلس بحضور مخرج الفيلم ومنتجيه
وأبطاله. كذلك يقيم المهرجان عرضاً رئيسياً للفيلم المصري "قبل زحمة الصيف"، آخر أيام المخرج الراحل
محمد خان (1942-2016)، أحد رواد مدرسة الواقعية المصرية الجديدة، والذي رحل عن عالمنا في آب
الماضي. تحضر العرض وتناقش الفيلم مع الجمهور النجمة هنا شيحة، في تواصل لتواجد السينما المصرية
ونجومها في أروقة المهرجان.
ثالث العروض الرئيسية هو الاحتفاء بابن المدينة ورئيس شرف المهرجان الرائد جورج نصر، والذي
يكرمه المهرجان بحزمة من الأنشطة، فتتصدر صورته أفيش المهرجان الرسمي، ويقيم حفل توقيع لكتاب
"جورج نصر.. السينما الداخلية" الصادر بالفرنسية للكاتب غسان قطيط، بالإضافة لعرض اثنين من أفلام

جورج نصر القديمة، "إلى أين؟" و"الغريب الصغير" فيلماه اللذان حملا لبنان إلى مهرجان كان السينمائي
الدولي للمرة الأولى في التاريخ عامي 1957 و1962. المهرجان يوفر فرصة نادرة للجميع أن يشاهد
عملين رائدين من العسير مشاهدتهما في أي مكان أو سياق آخر.
بشكل عام يعرض المهرجان هذا العام في مسابقته الرسمية 45 فيلماً تمثل 32 دولة (سبعة أفلام روائية
طويلة، سبعة تسجيلية، ثمانية أفلام تحريك، سبعة أفلام لبنانية قصيرة، 16 روائي قصير)، يختار الفائزين
من بينها لجنة تحكيم دولية يرأسها المخرج فيليب عرقتنجي، بعضوية كل من المخرج هادي زكاك، الممثلة
جوليا قصار، المخرج سام لحود، بالإضافة لكاتب هذه السطور. يُضاف لما سبق برنامج مكوّن من أفضل
الأفلام المعروضة في مهرجان كليرمون فيران 2017.
المنتدى يستمر في عامه الثاني بقائمة أوسع من الخبراء الذين سينقلون خبرتهم للحضور. يُنظم المنتدى
ثلاث ورشات عمل: "فرص التمويل من CNC" تديرها رئيسة مؤسسة لبنان للسينما مايا دي فريج،
"مهرجان كليرمون فيران للفيلم القصير" تديرها مبرمجة المهرجان ناديرة أردجون، و"الدعاية داخل
الأفلام" وتديرها المخرجة نبال عرقجي. بالإضافة إلى أربع جلسات نقاشية حول السيناريو والتمويل، فريق
التصوير والممثلين والمعدات، مراحل ما بعد الإنتاج، التوزيع والمهرجانات والمواد الصحفية، يتحدث في
كل منهما مجموعة مهمة من محترفي الصناعة منهم مؤسس مركز السينما العربية علاء كركوتي، جاد أبي
خليل وزينة صفير من أيام بيروت السينمائية، المخرجان إيلي كمال وفيليب عرقتنجي، والناقدة الصحفية
علا الشيخ.
برنامج حافل يليق بمهرجان لم يعد من الممكن نعته بالصغير، وآمال كبيرة نعقدها على دورة تبدو من
عناوينها أكثر زخماً واحترافاً، فهنيئاً لطرابلس بحدث ثقافي ساهم ـ ولو قليلاً ـ في نقلها من نشرات الأخبار
التعيسة إلى صفحات الفن والثقافة والأضواء.

اظهر المزيد

مقالات مختارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق